الرشد كيف نطلبه؟...بقلم محمد القروص
27/06/2020

بسم الله الرحمن الرحيم 

 الرشد كيف نطلبه؟ 

بقلم محمد القروص

 في كتاب أعلام الدين للديلمي (ت 841 هـ) ، ص309 ، عن مولانا الإمام الجواد عليه السلام، أنه قال:

قد عاداك من ستر عنك الرُّشد اتِّباعاً لما تهواه .

 وعنه العلّامة المجلسي في بحار الأنوار 75 : 364 ، الباب 27 .

ما أروع الرشد وما أروع أن يتصف الإنسان بالرشد، فهو سبيل صلاح أمورنا لديننا ودنيانا، لأجله دعا فتية أهل الكهف ربهم: ( فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) [ الكهف : 10 ]. 

ولأجله جعله مولانا الإمام الجواد عليه السلام في الرواية مقياسا في تمييز الأصدقاء عن الأعداء. 

 وطبيعة الحياة أننا بين حين وآخر تتلقى الكثير من المواعظ والتوجيهات، المنسجمة أو المتناقضة مع بعضها البعض.

 ونجد الكثير الكثير ممن نلقاهم وممن يظهرون في الإعلام المرئي والمسموع، نجد الكثير ينصح ويعظ فهذا يوجهك يمينا وذاك شمالا، هذا يقول امضِ في طريق كذا وذاك يقول تراجع. 

وهنا يحق لنا أن نسأل ما الذي عليي فعله تجاه هذا الأمر؟ تجاه ما نتقاه من نصائح؟ وتجاه من يوجهنا بالنصح؟

 أولا النصيحة: عندما نتلقى نصيحة، ينبغي أن نصُب جل اهتمامنا على طلب الرشد؛ ونضع في حسابنا أن للنصيحة أمرين:

أولهما يتعلق بمدى صحتها: فإما تكون صائبة أو خاطئة، أو دقيقة في صحتها أو أقل دقة؛ فهنا يحتاج المرء للتريث في الحكم وامتلاك مهارات النقد، كالنظر في القرائن واللوازم للكلام، ومن ثم يعطي حكمه. 

 وثانيهما يتعلق بموافقتها لهوانا: فقد تكون حلوة كالعسل لذيذ الطعم وفيه شفاء، وقد تكون مرة كالدواء مر الطعم لكن كذلك فيه شفاء.

 وواجبنا أن نصب اهتماما على تلقي الرشد أيا كان طعمه، ولعل أغلب الرشد في ما تكره نفوسنا؛ فإن الارتقاء أصعب من الانحطاط، إن ارتقاء النفس إلى الكمال يحتاج لجهد ومشقة حتى تحب كل حلال وتبغض كل حرام حرمه الله.

 وحذار حذار من الغي كاتباع الهوى على حساب الرشد فهو داء خطير قد لا تظهر أعراضه إلا بعد فواة الأوان؛ فقد يفرح صاحبه في المدى القريب لكن يعاني في المدى البعيد أشد العناء.

 الأمر الثاني: تعاملنا مع مقدم النصيحة: فلنسأل أنفسنا أسئلة ثلاث: ما مدى علمه وعقله؟ ما مدى صدقه وأمانته؟ ما مدى قوة بيانه؟

ما مدى علمه وعقله؟ أهو إنسان عاقل أما جاهل؟ في أي المجالات هو متخصص؟ في أي المجالات هو باحث ومطلع؟ بعض مجالات الحياة لا تحتاج تخصص كالمعرفة بفوائد الفواكه والخضراوات، بينما الآخر يحتاج للكثير من البحث والتعلم كاستنباط الأحكام الشرعية من النصوص الدينية؛ حيث يحتاج الفقيه للنظر في النصوص وأسانيدها ودلالتها وغير ذلك من أجل استنباط حكم فقهي واحد. 

وهذا يحتاج لتخصص دقيق واجبنا الشرعي أن لا نفتح آذاننا لغير أصحابها، وإن أمكننا فلنخرس تلك الأصوات الشيطانية المدعية للعلم والمتعدية على الفقهاء. 

 وماذا عن صدقه وأمانته؟ أهو ذو خلق ودين أم ليس كذلك ؟ إن الإنسان المتقي يراقب نفسه في كل كلمة تخرج من فيه، يتحرى مدى دقتها ما استطاع، وشعاره دوما أن ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ ق: 10 ]. 

فهذا يريد لك الخير فحافظ عليه ولا تخسره، بل افتح له قلبك، ليتكلم بأمان ويسددك. 

 وهذا خلاف ضعيف الإيمان المتبع لهواء والذي يغشك بقصد أو بغير قصد، قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [ الحجرات: 6 ]. وقد ينتقد ضعيف الإيمان فيصيب لكن ليس بالضرورة ليسددك، بل حسدا يريد أن يضعف معنوياتك ويثبط همتك على الارتقاء للأفضل. فهذا إما أن تتجنبه، أو تحتاط في التعامل معه، فلا تستعجل في الأخذ منه. 

 علينا أن نتعرف جيدا على الذي نتعامل معه فكلما كان عاقلا خيرا كان كلامه أكثر رشدا. وكلما ابتعد عن ذلك كان ما يقوله أقرب إلى الغي كإبليس جاء آدم وحواء بهيئة الناصح ليغويهما ( وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ) [ الأعراف: 21 ]. 

 وماذا عن مستوى بيانه: كلما كان جيد البيان، كان كلامه أكثر دقة وكلما أجاد عرض الموعظة بأسلوب يطيب معه الأخذ بكلامه. فإن كان غير دقيق أو كان كلامه غير واضح لنا، كان من اللازم أن نحطاط أو نوجه له أسئلة حتى تتضح لنا الصورة. 

وإن كان غليظ القول، فلا نستعجل في رده، فلعله انفعل حينئذ عند رؤيته لبعض الثغرات ولعله لذلك قيل ( رأس العلم الحلم ). 

وفي بعض الحالات يقتضي المقام أن يقسو الواعظ قليلا، لعل الطرف الآخر يتنبه لشدة جرمه، كما في قصة مولانا الكاظم عليه السلام مع بشر الحافي.

 وماذا عن الإنسان المجهول لنا إيمانه؟ هنا ينبغي لنا أن نحطاط، ونحن في زماننا هذا مبتلون بكثير من الأشخاص يظهرون في الإعلام المرئي أو مواقع التواصل، ولا نعرف عنهم شيئا. 

وقد يغتر البعض منا بحسن ما يرى من جمال هيئتهم فيحسب صاحبه حسن الخلق، يحسبه كذلك غافلا عن أنه ما ظهر أمام الناس إلا بعد أن أعد مظهره جيدا لذلك؛ فلبس أحسن ثيابه، وراجع ما سيقوله من كلام مراجعة، وأعاد تسجيل المقطع المرئي عدة مرات مع أصحابه، وما ظهر إلا وهو في حالة مزاجية جيدة؛ وغير ذلك مما يُظهره أمام الناس في صورة جذابة، ليس بالضرورة أن تعكس واقعه الشخصي. 

فقد يكون ذلك مؤمنا حقا، وقد يكون شيطانا يحب الحذر منه كالذين يطعنون في العلماء والفقهاء الذين ثبت علمهم واجتهادهم.

والله ولي التوفيق




.... 

التعليقات 0
إضافة تعليق