شركاء النجاح
20/11/2020


 بقلم الأستاذ / كمال بن علي آل محسن

 النجاحُ كنهايةٍ رائعةٍ وسعيدةٍ لسلسلةٍ ممتدةٍ وطويلةٍ من العطاءِ المتواصلِ والجهدِ المستمر، ما كان ليصبحَ دونَ وجودِ شركاء حقيقيين ساهموا في الوصولِ إلى ذلك النجاح ، والذين كان لهم دورٌ رئيسٌ ومحوريٌّ وشراكةٌ فاعلةٌ جعلت كل من ينتمي إلى ذلك الصرحِ يشعرُ بفخرِ الإنجازِ وروعةِ الانتصار ، ولكن هل يعني كون أنّ لنا دورًا في صناعةِ النجاحِ مهما كان حجمُ ذلك الدورِ وأهميته أن نهمشَ دورَ الآخرين إلى حدِ الإلغاء ؟!
الشراكةُ - كما هو مسماها - تكونُ بينَ عدةِ أطراف ، ولكل طرفٍ دورٌ يقومُ به ومسؤولياتٌ ومهامٌ يضطلعُ بها ، ولا يجوزُ لأي طرفٍ مهما كانت مكانته وأهميته أن يقومَ بدورِ طرفٍ آخر ، فالكل في سفينةٍ واحدة ، والكل يكملُ الآخر ؛ حتى تصلَ السفينةُ إلى وجهتها المنشودةِ بأمان .

 التعلمُ عن بعدٍ في الفصولِ الافتراضيةِ مثالٌ حيٌّ عن الشراكة نعيشه جميعًا ، ويحكي لنا بصورةٍ يوميةٍ في أحداثه وقضاياه قصةً ثريةً من قصصِ شركاءِ النجاح ، حيث إن الأدوارَ مقسمةٌ ومخصصة ، فلكل شريكٍ دورٌ محددٌ هو مسؤولٌ عن تنفيذه ، ولا ينبغي له - بأي حال من الأحوالِ إلا في حالات نادرة تضطرها الظروف -التدخل في أدوارِ الآخرين ، فالأسرةُ تقومُ بدورها ، والمدرسةُ كذلك ، وكل منهما يدعم الآخر ويكمله.

 المدرسةُ كمؤسسةٍ تعليميةٍ ممثلة بقائدها وإدارييها ومعلميها تتوزعُ الأدوارُ فيما بينهم ، ويقومُ كل عنصرٍ بدوره ، والأسرةُ بأفرادها في الجانبِ الآخرِ يؤدي كل واحدٍ منهم دوره ، والكل شركاءُ في نجاحِ ذلك الطفل الذي هو أيضا يؤدي دورًا في غاية الأهمية ، وعليه مهامٌ ومسؤولياتٌ متنوعةٌ يقومُ بها ، وفِي التعلم عن بعد لا يمكننا أن نقلصَ تلك المهام عنه ، أو ننوبَ في أدائها مهما كانت المسوغاتُ كالخوفِ عليه أو الحب والعاطفة تجاهه ؛ حتى لا يقع الخللُ وتتشكلُ الفجوةُ التي يسقطُ فيها الطفلُ جراءَ تدخلنا في أمورٍ ليست من اختصاصنا ، بل هي جزءٌ من اختصاصاته وهو المكلف بأدائها ؛ حتى يتقدمَ ويتطورَ ويكتسبَ المهاراتِ التي تؤهله للمرحلةِ المقبلةِ في مسيرته الدراسية . 

إن العاطفةَ الأسريةَ تجاهَ الأبناءِ مطلوبةٌ وضروريةٌ في حياةِ الطفلِ إذا قدمناها له على جرعاتٍ مناسبة ، ولكننا إن بالغنا فيها فستشكل عبئًا كبيرًا وخطرًا حقيقيًا عليه بدلًا من أن تكون ركيزةً أساسيةً وعاملًا مساعدًا له في دراسته . 

بعض الأسر - مع بالغ الأسى - تأخذُ دورَ أطفالها في الحصصِ الدراسية ، فهي التي تفكرُ بدلًا عنهم ، وهي التي تشارك ، وهي التي تجيب عن أسئلةِ المعلمين أثناء الشرحِ والمناقشة ، والأطفال ما هم إلا واجهة أمامية مثالية وغير واقعية لواجهةٍ خلفيةٍ تقومُ بأغلبِ الأدوارِ إن لم يكن كلها ، وكل ذلك له مبررٌ واحدٌ يطفو على السطحِ عنوةً ، وهو أن يظهرَ الأطفالُ بصورةٍ رائعةٍ ذات ألوانٍ قزحيةٍ آخاذة ؛ تجعل من المعلمين ينظرون إلى هؤلاءِ الأطفالِ بعينِ الإعجابِ في أدائهم الدراسي .

 تلك الصورة الجميلة وبمجردِ أن يسقطَ عليها ماءُ الحقيقةِ ستختلطُ عناصرها التي شكلتها ، وستصبحُ بدون معالم ، وستكون ضائعةَ الهويةِ ولا تنتمي لأي مدرسة فنية ولا تربوية ، فلا بد لنا من وقفةٍ جادةٍ تعودُ بنا إلى الوراءِ قليلًا ، حيث كان أطفالنا في فصولهم الواقعيةِ هم الذين يفكرون ، وهم الذين يشاركون ، وهم الذين يجيبون عن أسئلة المعلمين ، وكانوا يؤدون دورهم الحقيقي في المدرسة ، وبعد عودتهم إلى منازلهم كانت أسرهم تحتضنهم بالرعاية والمتابعة والاهتمام ، وتمارسُ دورها المنوط بها . 

إننا إذا أردنا أن نكونَ شركاء في نجاحِ أبنائنا وتفوقهم وإبداعهم وإعدادهم لما سيواجهونه في مستقبلِ أيامهم ، فعلينا ألا نقوم بأدوارهم أبدًا ، بل نمارس أدوارنا المطلوبة وكفى ، ونترك لهم المجال مفتوحًا ليمارسوا أدوارهم ، تلك هي الشراكة الحقيقية والمحمودة في التعلم عن بعد في الفصول الافتراضية ، وهي التي نجسد ونؤكد من خلالها معنى الشراكة قولًا وعملًا ؛ لنكون بحق شركاء النجاح .

التعليقات 0
إضافة تعليق