في وَدَاعِ أَشْرف مِهْنَةٍ
28/03/2021



مُعَلِمةٌ مادتها التي تُدَرِسُها تعطي الفرصة للطالبات لاستخدام الحواس وتجعلهن يفهمن المادة أكثر من القراءة عنها .

لاسمها رنينٌ تعرفه أجيال متلاحقة في المدرسة المتوسطة الأولى بالعوامية .

في محادثة هاتفية ودية جمعتني بها كأخت عزيزة
تزاملنا سنوات التدريس في مدرسة واحدة وسبقتها - مبكرا - إلى التقاعد .
دار حديثنا حول الذكريات والمستجدات وإقدامها على طلب التقاعد .

ألهمتني محدثتي - ولحظات الإلهام لا تعوض - إلى طرح تجربتها التي وجدتُ فيها خير فائدة لكل معلمة تريد أن تحقق اختلافا في حياة طالباتها .

وهاهي تجربتها ترويها بنفسها :

مارست التدريس مايقارب ٢٦عاماً بين المناهج القديمة والمطورة وكلي عزم وإصرار وحب للمهنة .

بعدها انتقلت إلى ممارسة النشاط المدرسي لمدة خمس سنوات تقريبا شاءت مستجدات جائحة كرونا وما ترتب عليها من تبعات ... أن أعود إلى التدريس عودا على بدء وبالرغم أن البداية كانت صعبة ؛ بحكم تعاملنا لأول مرة بالتعليم الإلكتروني والتدريس عن بعد كنت مستاءة نوعا ما...
وهنا كانت المفاجاة !
عندما رجعت للتدريس بدأت بنفس طاقتي وحماسي كما في سنواتي الأولى من ممارسة المهنة !
ووجدتُ نفسي أنني ما زلت على استعداد لتعلم المزيد ... بحب بشغف بعزيمة قوية وإصرار .

التحقت بدورات تدريبة خاصة بالتدريس عن بعد أفادتني كثيرا .
وكان لحماسي أثرا إيجابيا على طالباتي الصغيرات .

وباستخدام الأساليب المبتكرة والمطورة في التعليم وبتشجيعي لطالباتي وتحفيزي المستمر لهن حتى على الجهود البسيطة التي تصدر عنهن ؛ كنت ألمس تقدمهن إلى الأمام وأحوز على رضاهن ومحبتهن ونيل عبارات الثناء من أمهاتهن .
وسعادتي لا توصف عندما لمست كل ذلك - أيضا - في تعاملي مع إحدى الطالبات اللاتي يعانين من صعوبات التعلم .

و أحمد ربي - جلَّ في علاه - أنني حظيتُ - داخل المدرسة وخارجها - بأشخاص إيجابيين من حولي .

وكأن الله - سبحانه وتعالى - لم يشأ أن أتقاعد إلا بعد أن أحقق شيئا أفتخر به وأن تكون آخر محطة لي في التعليم ... منحتها أفضل مالدي تجربة خضتها بسعادة واعتبرتُ نتائجها إنجازا عظيما ... أختم به حياتي المهنية في سلك التربية والتعليم .

حمدت ربي حمدا كثيراً وسجدت له شكراً .

ما أروع أن نخلق بداخل كل طالبة شيئا جديدا وسلوكا جيدا وشوقا إلى تحصيل العلم !

كم هي مؤثرة كلمة الوداع ! تخوننا الكلمات وتقل في التعبير عما بداخلنا من مشاعر تجاه هذه اللحظة .

إلى كل معلمة تنتظر التقاعد... أقول لها :
⁃ التقاعد آتٍ لا محالة ولا بد منه إن لم يكن اليوم ... سياتي غداً .

⁃ ممارسة التعليم متعة راقية فبمقدار عطائك للتعليم يكون مردوده لكِ ...

⁃ استمتعي بعطائك ووقتك مع طالباتك .
⁃ احتويهن وساعديهن على إبراز مهاراتهن .
⁃ اهتمي بالجوانب النفسية لهن وارفعي من معنوياتهن .
⁃ أظهري لهن حرصك ومحبتك واهتمامك كأم أو أخت كبرى ؛ وسترين الكثير من إنجازاتهن المُرْضِية .

⁃ ستمر الأيام سريعا ولن يكون هناك خط رجعة .

فرغم ما بذلناه من جهد - خلال رحلة الكفاح - وعمل كل ما كان في وسعنا باستماتة للسير بالعملية التعليمية نحو الأفضل ؛
إلا أننا نتمنى - أحيانا - أن يعود بنا الزمن إلى الوراء وإلى البدايات ؛ لنغير كثيرا من أساليبنا مع الطالبات وطريقة معالجتنا للأمور وفهم طبيعة المرحلة العمرية للطالبات ... فهما صحيحا .

سنوات طويلة صقلتنا وعمر قضيناه في اكتساب كل ما يفيد ويثري في عملية التدريس .
حقيقة أن الجمع بين مسؤولية العمل ورعاية الأسرة في آن لم يكن بالأمر السهل ونسأل أنفسنا - أحيانا - كيف تسنى لنا الاستمرار في ذلك كله ؟!
ولكن نظرة منا إلى الوراء ؛ تجعلنا نفخر بحملنا لأشرف مهنة .
من المؤكد أننا لا نستطيع الوصول إلى درجة الكمال كمعلمات لكننا كافحنا لبذل أقصى ما نستطيع للاستمتاع بالرحلة .


وأخير ا : أوجه تحية إجلال واحترام لكل من يحمل رسالة التعليم العظيمة .

وتحية محبة لكل الطالبات اللاتي درستهن .

ولأني وعاصرت - على مدى تلك السنوات - مديرات اختلفت كل واحدة منهن عن الأخرى بشخصيتها وطريقة تعاملها ؛ أقول لكل مديرة مدرسة :
أظهري لمعلماتك الكثير من اهتمامك ومحبتك ؛ فالسخاء في العطاء يخلق الحب وبالتالي يحقق الكثير من الإنجازات الرائعة .

معلمة مادة العلوم / أحلام اليحي

وتعقيبا على ماقالته ... أختم بمقولة - أراها منصفة - لأحد المتقاعدين من رؤساء مؤسسة كرايسلر :
في المجتمعات التي يتسم تفكيرها بالعقلانية التامة ... نجد أن أفضل الأشخاص يتحمسون للعمل ... في مجال التدريس ؛ لأن نقل الحضارة من جيل إلى الجيل الذي يليه هو أسمى شرف ، وأكبر مسؤولية يتولاها الإنسان .


نسأل الله للمعلمة أحلام ، ولكل المقبلات والمقبلين على التقاعد - الحدث الذي لابد منه - تقاعدا ميمونا مباركا وعمرا مديدا - بإذنه تعالى وتوفيقه - مكللا بالراحة والاسترخاء والتأمل ، وَمِنْ ثَمَّ الإنطلاقة من جديد ... بهدوء واطمئنان ، وبثقة أكبر ، وحماس لا يفتر في مواصلة الحياة ، والعمل لكل ما تنشده النفس في المرحلة المقبلة الجديدة .

فتحية القطري
 

التعليقات 0
إضافة تعليق