جدلية العلاقة بين المثقف ورجل الدين
12/06/2022




محمد أحمد الجارودي


القارئ الكريم سوف نبحر في زورق صغير من المعرفة لربما تكون الرحلة طويلة بسبب دسومة المقال ....اعتذر في كون المقال من النوع الطويل حتى تنهظم فكرة العنوان ....دعونا جميعا نبحر و نجمع الصدفات الجميلة.

تمهيد: من القضايا التي مازالت مثاراً للنقاش والطرح الفكري هي قضية العلاقة بين رجل الدين والمثقف حيث يتمّ تناول هذه المسألة بكثرة في المنتديات الفكرية سواء الحضورية منها أو الافتراضية عبر وسائل شبكة التواصل الاجتماعي المتنوعة. ويحاول البعض أن يركّز على أن هناك ثمة صراع وقطيعة وحالة عدائية بينهما حيث أن الطرفين أي رجل الدين والمثقف هما ضد بعضهما البعض وأن مفهوم المثقف لايجتمع مع مفهوم رجل الدين, والسؤال هنا: هل العلاقة بين المثقفين ورجال الدين هي علاقة صراع وقطيعة أم هي علاقة تناغم وانسجام؟ هذا ماسوف نحاول أن نبينه في هذا المقال الوجيز. الجدلية القائمة بين رجل الدين والمثقف أو قل بين العلم والثقافة لم تكن موجودة في الوسط الفكري الإسلامي من قبل, حيث الإسلام وكما هو معروف ومن خلال الآيات المباركة والروايات الشريفة يشيد بالعلم والمعرفة في مختلف المجالات والأصعدة ولم يكن مصطلح مثقف موجوداً حينها بل ظهر وبرز هذا المصطلح مع بروز الجدال والنقاش في الثقافة الغربية عندما فصلوا وميزوا بين العلم والثقافة وصنفوا العالم بمن يهتم بعلوم الطبيعة والمثقف بمن يهتم بالشؤون الإنسانية المتنوعة كالتاريخ والأدب.

المعنى العام لمفهوم الثقافة: ما نفهمه اليوم من كلمة “الثقافة” يختلف عما كانت تستخدمه العرب في القدم فهي في العربية قديماً تدل على الذكاء والفطنة وعلى الظفر والتمكّن من الشيء بينما هي الآن تعني العادات والتقاليد والأعراف والعلوم المتصلة بذلك والحضارة المنبثقة منها أي طرائق الناس في الحياة بجميع أبعادها. والثقافة كلمة واسعة المعنى أختلف في تعريفها عند المفكرين والكتاب حتى لم يحصر لها تعريف جامع شامل ينطوي تحتها وأخذت أبعاداً مختلفة وقد تعّرف بأنها كل علم يرفع الجهل. أما رجل الدين فهو ذلك الشخص الذي أختار الطريق الصعب رفيع القدر والجوهر المحفوف بأشواك العوز والحاجة والغربة عن الأهل والأوطان كي يأتي يوماً ليضع ما تعلمه على بساط الرحمة والرأفة لمجتمعه مصداقاً لقوله تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚفَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ .

وأما مفهوم الثقافة في اللغة والاصطلاح فهي بمعنى الذكاء وسرعة الفهم وجودته قال الخليل بن أحمد الفراهيدي: الثقف مصدر الثقافة وفعله ثقف إذا لزم وثقفت الشيء وهو: سرعة تعلمه. وقلب ثقف أي سريع التعلّم والتفهم .


 وقال الجوهري: ثقف الرجل ثقف أو ثقافة أي صار حاذق أو ثقف ثقفاً مثال تعب تعباً .

ويمكن القول بأن الثقافة هي كل المعلومات والمهارات التي يمتلكها البشر إلا أن الثقافة اليوم كما قلنا لها معنىً آخر غير موجود في كتب المتقدّمين من العلماء والكتّاب العرب فهو مستحدث ويُعنى بها كل القّيم المادّية والروحية ووسائل خلقها واستخدامها ونقلها التي يخلقها المجتمع من خلال سير التاريخ. والثقافة ظاهرة تاريخية يتحدد تطوّرها بتتابع النظم الاقتصادية والإجتماعية وعليه تكون الثقافة بالمعنى الخاص عبارة عن تنمية بعض الملكات العقلية أو تسوية بعض الوظائف البدنية ومنها تثقيف العقل وتثقيف البدن, ومنها الثقافة الرياضية والثقافة الأدبية أو الفلسفية. وأمّا بالمعنى العام فهي عبارة عمّا يتصف به الرجل الحاذق المتعلّم من ذوق وانتقاد وتحليل ومن ثم حكم صحيح. ويمكننا أن نجمع التعاريف المختلفة للثقافة ونقول أن المثقف هو ذلك الإنسان الذي يمتلك المعرفة أو جانباً من المعرفة في شؤون الحياة وشؤون المجتمع وشؤون الفكر بشكل عام.

أهمية الثقافة في الحياة ودورها الفردي والاجتماعي:
لا شك أنّ للثقافة أثراً إيجابياً وفاعلاً في المجتمع حيث أنها تجعل منه مجتمعاً مختلفاً عن سائر المجتمعات الإنسانية الأخرى التي لم تحض بهذه الثقافة المعينة وأن الثقافة تترك أثراً واضحاً في حياة الطبقة المثقفة في مختلفف صورها وأنواعها ومن أبرز خصوصات الثقافة في المجتمعات الإنسانية ما يلي:

أولاً: أنها تكشف عن درجة رقي المجتمع وتطوره في مختلف المجالات حيث يمتاز كل مجتمع عن غيره تبعاً لنوع الثقافة التي تسوده والتي هي عبارة عن مجموعة الظواهر الإجتماعية الخاصّة به والتي يعرف بها وتلوح في أفقه معالمها وتشكّلاتها وهذه المعالم تكشف عن درجة رقيه وتطوره وتقدمه تبعاً لطبيعة الثقافة السائدة فيه.
.
ثانياً: تنوع الثقافات واختلافها من مجتمع إلى آخر: كل مجتمع يختلف عن الآخر في ثقافته ولهذا الاختلاف أسبابه الخاصة فلا يمكن أن نتصور أن جميع المجتمعات الإنسانية ذات طابع ثقافي واحد بل تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر لأنّ الثقافة تمثل الغذاء الروحي والحقيقي للإنسان.

ثالثاً: دورها الإيجابي في بعث الروح والأمل والحياة في الإنسان وهنا تبرز أهمية معرفة الثقافة الإيجابية وتمييزها وتشخيصها عن الثقافة السلبية التي تبعث على كساد المجتمع وانحطاطه وهلاكه حيث الثقافة السليمة تبعث روح الأمل والتقدم والتكامل نحو الأفضل في حياة الانسان ومجتمعه. وخير شاهد على إيجابية الثقافة والمعرفة الحقة هو ماقام به الرسول (ص) إذ بعث في المجتمع الجاهلي المكي روح الأمل والنهوض بواجبه الإنساني والقيمي من خلال تغيير واقعه المؤلم آنذاك؛ وذلك عن طريق تغيير ثقافته السائدة السلبية والمنحرفة عن القيم والمبادئ الحسنة وتغيير الدافع والمحرك الذي يتحرك من خلاله ذلك المجتمع وهذا مما يكشف لنا على أنّ الفارق الأساس بين الإنسان الهادف وغير الهادف وبين المجتمع المتحضّر الذي يبني مستقبله بيده وبين غيره إ نما يكون بواسطة العنصر الفكري والمنظومة المعرفية فإن صلُح الفكر واستقامت الثقافة صلُحت الأ مّة واستقامت فرداً ومجتمعاً وإن فسدت الثقافة وأنحرف الفكر فسدت الأُمّة وأنحرفت ومن هنا نفهم مقصود الحكمة القائلة إذا فسد العالم فسد العالَم .

إشكالية المثقف ورجل الدين:
المثقف هو الشخص الذي أحب القراءة والمعرفة في علوم مختلفة بالنمط العام من دون تخصص في علم معين واستهوته ظاهرة الإختلاف في الرؤى والطرح والسجال العلمي والثقافي وتعلق بالكتب الفلسفية ومصطلحاتها الرنانة من التيارات المختلفة تحت مسميات الحداثة والتنوير والليبرالية وغيرها فوجد فيها مايعالج قضايا داخل مجتمعه ويرفع الجهل عن الناس وأخذ دور المسؤول في المجتمع وأصبح يمارس دور التوعية والتنوير وبث الفكر والمعرفة بين أبناء مجتمعه عبر كل الوسائل المتاحة له معتقداً أن الناس اليوم بحاجة لطاقات فكرية تغييرية كون أن رجل الدين مازال يقوم بدوره التقليدي في الطرح وليس له القدرة أو الكفاءة على أن يقوم بدور يتناسب ومع النهضة العلمية والثورة المعلوماتية. وقد يغلب على المثقف الحماس والثقة في النفس فتجده يبالغ في تمجيد ذاته وإنجازاته ويتصدى للعلماء والفقهاء بنقدهم وتضعيف آراءهم بل قد تجده يذهب أبعد من ذلك بمقارنة نفسه بكبار العلماء والمفكّرين بل ويذكر اسمه في عدادهم.

وفي المقابل, رجل الدين يتحرك بمحور واجبه وتكليفه الشرعي في ترسيخ العقيدة والتصدي للشبهات والفكر المنحرف من خلال المحاضرات والندوات المستمرة كي يحصن مجتمعه من ظلمات الجهل وكونه يعتقد أن مايمارسه من توعية مجتمعه هو تكليف على عاتقه وأنه يملك المؤهلات العلمية والثقافية للقيام بهذا الدور من خلال طرق التعليم التي تعلمها من الحواضر العلمية كالمنطق واللغة والتفسير والفقه والأصول والفلسفة فيرى هذا المسلك العلمي الذي سلكه خلال سنوات طويلة باباً للدخول في أي علم يراه طريقاً مأموناً لأنه يتبع منهجاً علمياً وعقلائياً ولكن بعضهم قد يخطئ أحياناً في الإسلوب فينفر منه بعض من الشريحة المحسوبة على المثقفين فيأخذ المثقف منه موقفاً سلبياً ويرتب عليه أثراً عقدياً وسلوكياً وإجتماعياً وتصبح هناك فجوة بين المثقفين ورجال الدين فينفرون المثقفون منهم مع العلم أن الغرض من شدة وحرص رجال الدين هو ميزان الأولوية في نشر العلوم ومراعاة التكاليف والأوامر الشرعية.

بعد هذا التمهيد نعود الآن لأصل العنوان وهو ماهي العلاقة بين رجل الدين والمثقف؟ هل هي علاقة التباين أم التساوي أم الإختلاف في حيثيات وإتفاق في حيثيات أخرى؟

كما يقال في محله أن لكل علم موضوع بناء على من يقول به وموضوع علم المنطق مثلاً هو التعريف والاستدلال ومناهج البحث والغرض منه صيانة الفكر من الإنحراف كما أن الغرض من علم النحو هو صيانة اللسان من اللحن. علم المنطق” هو العلم الموضوع لدراسة اللفظ ودلالاته والعلاقة بينهما. واللفظ عند المناطقة إما مفرد كزيد أو مركب كقلمُ زيدٍ. والمفرد إما كلي وإما جزئي. الجزئي: ما يمنع تصوره وصدق مفهومِه على كثيرين كالأعلام مثل زيد وبكر. والكلي: ما لا يمنع تصوره وصدق مفهومه على كثيرين كالإنسان. ولفظَا “الثقافة” و”الدين” مفردٌ لا مركب ومفهومهما كلي لا جزئي. إذ تصدق “ثقافة” على أكثر من ثقافة, كالثقافة العربية والفارسية واليونانية وتصدق كلمة “دين” على أكثر من دين كالإسلام والمسيحية واليهودية. والعلاقة أو النسبة بين الكُليات “لفظين كلِّيَيْن” في علم المنطق أربع نسب وهي:
1. نسبة التباين: اختلاف تام بينهما مثل إنسان وحجر فمهوم الإنسان لا كمفهوم الحجر.
2. نسبة التساوي: مثل إنسان وبشر فمفهوم الإنسان هو مفهوم البشر
3. نسبة عموم وخصوص مطلق مثل الفقيه والعالم فكل فقيه عالم وبعض العالم فقيه
4. نسبة عموم وخصوص من وجه مثل الكاتب والشاعر فبعض الكاتب شاعر وبعض الشاعر كاتب

على ضوء هذه النسب الأربع, ماهي العلاقة أو النسبة بين الثقافة والدين؟

العلاقة بين الدين والثقافة (أمران كليان) أو بين رجل الدين والمثقف تحددها طبيعة فهم الدين من جهة وفهم الثقافة بنحو العموم أو الثقافة الدينية بنحو الخصوص من جهة أخرى فقد يفهم البعض من المثقفين أن الدين جمود وتجميد للفكر والحرية والثقافة تحرر من هذا الجمود فيتصور أن الثقافة في عرض الدين وهذا الفهم الخاطئ قد يشرعن من قبل المثقفين ويحاولون أن يجدوا له طريقاً في تسويقه وتمريره إلى الناس فيكون المثقف يمثل ثقافة يعتاد عليها في الوسط الاجتماعي من دون الحاجة لرجل الدين فتتحقق الفجوة والقطيعة بين رجل الدين والمثقف وعندها تشكل هذه المسألة أزمة حقيقية للمثقف وحينئذ تصده من الاقتراب من الدين وفهمه وأدراك أهدافه في الدعوة وكأنه أوجد إثنينية وتباعداً وتبايناً بين الدين والثقافة.

بينما إذا نسبت الثقافة إلى دين معين وأنها في طوله ومنبثقة عنه ومتفرعة منه فيكون الدين هو الأصل والثقافة أو العادات فرع منبثقة منه فيصح حينها أن ننسب الثقافة للدين كقولنا الثقافة الإسلامية والثقافة النصرانية والثقافة اليهودية وعليه يكون التعبير العلمي المنطقي للعلاقة بينهما هو: “عموم وخصوص مطلق” فكل دين ثقافة وليس كل ثقافة دين. ولعل هذا هو الأصل في تحديد علاقة الدين بالثقافة وعليه فكل رجل دين مثقف وليس كل مثقف رجل دين. هذه هي النسبة بين امرين كليين.

أما إذا نظرنا إلى الإسلام (مفرد وجزئي) -كون تعاليمه الإلهية نزلت على نبينا أبي القاسم محمد(ص) دون غيره من الأنبياء- وإلى الثقافة أو الدين (مفرد وكلي) فالعلاقة هي علاقة عموم وخصوص مطلق أيضاً وذلك أن العلاقة بين الجزئي والكلي إما علاقة تباين مثل القطيف والإنسان أو علاقة عموم وخصوص مطلق مثل الإسلام والدين أو الإسلام والثقافة فكل إسلام دين وليس كل دين إسلام وكل إسلام ثقافة وليس كل ثقافة إسلام.

 فالدين ينطبق على كل ما هو تصوّر وعمل والثقافة تطلق على كل ما هو عادة وهوية وتقاليد سواء المدنية منها أو الدينية أو التاريخية المتراكمة, فكل إسلام دين وليس كل دين إسلام. وكل إسلام ثقافة وليس كل ثقافة إسلام.

والخلاصة أن علاقة لفظ الدين الكلي بمصطلح الثقافة الكلي هو العموم والخصوص المطلق وعلاقة مصطلح الإسلام الجزئي بلفظ الدين الكلي أو بمصطلح الثقافة الكلي هو علاقة عموم وخصوص مطلق كذلك والمحصل حينئذ يكون أن كل رجل دين مثقف وليس كل مثقف رجل دين.
الخاتمة:
بعد هذه النظرة العامة والمشتركات بين رجل الدين والمثقف نستنتج أن رجل الدين مثقف حيث أن منهجه في الحواضر العلمية يدعو لذلك وأن المثقف قد يكون رجلاً دينياً فحضور رجل الدين في الأوساط والمهرجانات والندوات والحوارات الثقافية وتصديه لها وتقدمه على المثقفين هو الأصل وخلافه خلاف الأصل ويوجد العديد من القامات الحوزية التي كان ومازال لها دوراً استرتيجياً ليس على مستوى العالم الشيعي فحسب بل على مستوى العالم كله جمعت بين المنهجين بكل كفاءة وجدارة بين منهج النظرية الثقافية والأكاديمية وبين المنهج الحوزوي, كالشهداء السعداء السيد الصدر والشيخ مطهري وعميد المنبر الحسيني الشيخ الوائلي. فحينما قرأ السيد الصدر الماركسية والرأسمالية اعترف بعض أقطاب الماركسية والرأسمالية بأنه أكثر فهماً منهم في نظريتهم التي يتبنونها لماذا؟ لأنه سلك مسلكاً دينياً حوزوياً ممنهجاً في تناول المواضيع بطرق علمية وتحليلية. ليس بالضرورة أن رجل الدين يتخصص في كل علم وحقل بمعرفة أموره الدقيقة والتخصصية لكنه يملك القواعد الكلية والأصولية التي تؤهله للتنظير للمختصين في تخصصهم ومجالهم كما فعل السيد الشهيد الصدر حينما تناول موضوع البنك اللا ربوي في الإسلام مثلاً والسيد السيستاني عندما بث للمختصين معالم الدستور والمنهج السياسي والإمام الراحل قدس سره عندما وضع أسس وأنظمة الدولة الإسلامية الحديثة وهكذا غيرهم الكثير.

هذا وبعد أن عرفنا العلاقة القائمة بين رجل الدين والمثقف وأهلية كل منهما وكفاءته, فهل يصح منا أن نستغرب أو نشكل على حضور رجل الدين بل قيادته لمحفل ثقافي ما؟ حسناً يفعل القائمون والمنظمون للمحافل الثقافية دعوة رجال الدين واناطة قيادتها لهم لأنهم سيسقطون التكاليف الشرعية على هذه المحافل وينحوا بها نحو القيم والمبادئ الحقة.

محمد الجارودي
6 ذو الحجة 1443هـ
 

التعليقات 0
إضافة تعليق