الحقيقة لا تلتقطها الكاميرا !
14/10/2020

مقال ( الحقيقةُ لا تلتقطها الكاميرا !) 

بقلم الأستاذ / كمال بن علي آل محسن 

كثيرًا ما نشاهدُ صورًا متنوعةً التقطتها الكاميرا لأحداثٍ ومناسباتٍ ووقائع ، تُشَكِّلُ لدينا انطباعاتٍ وتصوراتٍ وآراء وأحكامًا حول تلك المشاهدِ ذات الصورِ الجامدة ، ولكن هل ما تلتقطه الكاميرا يمثلُ الحقيقة ويجسدها بكل تفاصيلها وخباياها ، أم أنَّ الأمرَ لا يعدو كونه زيفًا وكذبًا ، ولا يمت بصلةٍ لعالمِ الحقيقةِ الذي لا يميلُ لجهةٍ معينة ، ولا ينتصرُ لأحدٍ مهما كانت مكانته أو موقعه في خارطةِ عالمِ الإنسان ؟!
إنَّ مَنْ يحملُ الكاميرا ؛ ليلتقطَ بها الصورَ لا يمكنه أنْ يلتقطَ المشاعرَ الواقعيةَ التي صاحبت تلك الصور ، ولا يمكنه كذلك أن يعرضَ الأسبابَ التي أدت لتلك المشاهد ، فهو يختارُ زاويةً تناسبُ الجهة التي أرسلته إن كان تابعًا لجهةٍ معينة ، أو يختار زاويةً تناسبُ قناعاتهِ وأفكارهِ إن كان مستقلًا ولا يتبعُ أحدًا سوى نفسه التي تحركها سلسلةٌ من الخبراتِ التي شكلت صاحب الكاميرا . 

هناك بونٌ شاسعٌ بين حقيقةِ الأمور والكاميرا التي التقطت تلك الحقيقة ، ومع بالغ الأسى ، فإننا نتعاملُ مع الصورةِ وكأننا كنّا في قلبِ الحدث ، إن لم نكنْ جزءًا منه وأحد أبطاله ، فنعطي حُكمًا صارمًا لا مرية فيه حول ما حَكَتْهُ الصورة ، بل ونُصَدِّرُ آراءَنا في كل القنواتِ وعلى مختلفِ الأصعدة ، كل ذلك من أجلِ صورةٍ شاهدناها على عُجالةٍ ودونَ تركيزٍ أو تدقيقٍ وتأمل ، وقد تكون بمنأى عن الواقعِ الذي حدث بالفعل . 

إنَّ محاولةَ المجازفةِ بنقلِ الحقيقةِ للآخرين عبر الصورةِ يحتاجُ إلى احترافيةٍ نادرةٍ لا تتوفر عند الكثيرين ، كذلك فإنَّ الصورةَ لا بد وأن تلاحقَ وتتاليَ الحدث لحظة بلحظةٍ دون انقطاعٍ أو انفصال ، وفِي أدقِّ التفاصيلِ ومن كل الاتجاهات ، فلا تترك شاردةً ولا واردةً إلا وتكون قد التقطتها ؛ حتى تكون الصورةُ مصداقًا وتجسيدًا للحقيقة وتوأمها ، وهذه العملية صعبةُ التحققِ بعيدة المنالِ إن لم تكن مستحيلةً وغير ممكنةٍ على مستوى الصورة فقط . 

صاحب الكاميرا في محاولةِ التقاطه للحقيقة المجردةِ والمكتملةِ الأركانِ والشواهدِ يدركُ تمامًا بأن هناك الكثير من التفاصيلِ ستكونُ مفقودةً في صورته ؛ مما قد يشوشُ أو يُغَيِّرُ في معرفتنا لتلك الحقيقةِ التي يحاولُ إبرازها لنا ، بل وإقناعنا فيها ، مع سابقِ علمهِ ويقينهِ بأن الصورةَ ستظلُ ناقصة ، وأن المشهدَ أو الحدثَ فيه الكثير من الأشياءِ المخفيةِ غير الظاهرة ، فهي موجودة وإن كانت خلف الكاميرا ، لكن صاحبها قرر عدم إظهارها ربما متعمدًا أو غير متعمد ؛ لحاجةٍ في نفسه أو لأن تلك التفاصيل لا تعنيه ، أو أنها تتنافى وتتنافر مع قناعاته التي يريدُ أن يسقطها على الصورةِ التي تنقلُ الحدث .

 يجب علينا أن نفرقَ بين نقلِ الانطباعاتِ الشخصيةِ والمشاعر الخاصة والقناعات التي نعتقدها ونؤمنُ بها وبين نقلِ الحقائقِ مجردةً من كل ما يشوهها ويغيرها ويبدلها ، فمن الواجب علينا أن نكون أمناءَ وصادقين في نقلها ، وأن نتحلى ونتصفَ بدرجةٍ عاليةٍ من المصداقيةِ أمام أنفسنا والناس أجمعين ؛ حتى تخرجَ الحقيقةُ كما حدثت في الواقع . 

الحقيقة والكاميرا ليستا مترادفتين ألبتة ، ولا يمكن للكاميرا أن تلتقطَ الحقيقةَ كاملةً تامة ، قد تلتقطُ جزءًا منها وليس كلها ، والجزء لا يعني الكل قطعيًّا وإن كان بعضًا منه أو ينتمي إليه .


التعليقات 0
إضافة تعليق