تأثير القلب على الإدراك
14/10/2020

بسم الله الرحمن الرحيم

 تأثير القلب على الإدراك 

بقلم: محمد القروص

قال الله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [ الحج: ٤٦]

يذكر الشيخ الطوسي في تفسيره للآية الكريمة ( وفيها دلالة على أن القلب محل العقل والعلوم، لأنه تعالى وصفها بأنها هي التي تذهب عن إدراك الحق، فلولا أن التبيين يصح أن يحصل فيها لما وصفها بأنها تعمى، كما لا يصح أن يصف اليد والرجل بذلك) 

(١)

كيف يمكن للإنسان أن يدرك بقلبه؟ القلب كما يذكر سماحة السيد منير الخباز 

(٢) هو وعاء المشاعر، والميول، والغرائز. 

فما يحدث في الإنسان من مشاعر: كالفرح، والحزن، والحب، والبغض. 

وما يحدث فيه من ميول: كميله إلى الرياضة، أو الفن، أو الفلسفة. 

وما يملك من غرائر: مثل غريزة الجنس، الاستئثار، التملك، الغضب. 

هذه كلها مركزها القلب. 

أما العقل كما يذكر سماحة السيد 

(٣) فهو وعاء الإدراكات. 

 فإن كان الأمر كذلك فهل توجد 

- أولاً - للقلب علاقة تربطه بالعقل في جانب الإدراك؟ أي في التفكير وتفسير المدركات وتكوين وجهات النظر؟ ثم 

- وثانياً - كيف تتم تلك العلاقة؟ 

 ١- علاقة القلب بالعقل
لاشك أن للقلب تأثير على السلوك الإنساني بالعموم؛ إذ يكفي أن تشعر بالجوع للتجه بنفسك نحو الطعام. 

لكن هل له تأثير في جانب الإدراك العقلي بالخصوص؟

كقاعدة عامة يذكرها لنا علم النفس 

(٤) بأن الإدراك يتأثر بنوعين من المؤثرات: 

أ- عوامل خارجية: وهي العوامل المتعلقة بالأشياء التي تصدر منها المنبهات الحسية.

 ب- عوامل داخلية، وتتمثل في الآتي:

 ١- الحواس: وأهمها السمع والبصر.

 ٢- الثقافة البيئية. 

 ٣- الحالة النفسية والجسمية: فالشخص الهادئ يختلف إدراكه عن الشخص القلق أو المنفعل؛ كما أن الحالة الجسمية تؤثر أيضا على إدراك الفرد؛ فالشخص المتعب يختلف إدراكه عن الشخص المستريح. 

 ٤- العوامل الدفاعية: وتتمثل في التبرير والإسقاط والتعويض 

٥- الجنس أو ( النوع) : فإدراك الرجل يختلف عن إدراك المرأة
من هنا نعلم أن للعوامل النفسية بما تحويه من مشاعر وغير ذلك، أي: للقلب تأثير على إدراكنا لما حولنا، لكن كيف يحدث ذلك؟ 

 ٢- آلية تأثير القلب في العقل
للعواطف والانفعالات النفسية تأثيران أساسيان:
أولهما: تحفيز التفكير للاتجاه في مسار معين. 

يؤثر عليه في جانبين اثنين: في جانب الانتباه للمثير الخارجي، وفي جانب تفسير ذلك المثير. 

 بالنسبة لجانب الانتباه: يقول علم النفس المعرفي: إن وجود دوافع ملحة بحاجة إلى الإشباع غالبا ما تصرف انتباه الفرد عن العديد من المنبهات والمؤثرات الأخرى. 

فالجائع مثلا يركز جل اهتمامه على الكيفية التي من خلالها يشبع هذا الدافع مهملا في الوقت نفسه المنبهات الأخرى، كما أن وجود دافع لدى الفرد لتحقيق غاية أو هدف تجعله يركز طاقته الانتباهية إلى تحقيق هذا الهدف أو الغاية . 

(٥)
أما بالنسبة لجانب تفسير الموقف المدرك فيذكر في موضع آخر: يتأثر إدراك الفرد للمواقف في ضوء دوافعه وحاجاته، إذ غالبا ما يسعى الأفراد إلى تفسير الكثير من الحوادث أو المثيرات اعتمادا على مدى وجود دافع أو حاجة لديهم. 

فعلى سبيل المثال، ينزع الفرد الجائع إلى تفسير الأشياء أو المثيرات ولا سيما تلك الغامضة منها على أنها أشياء ترتبط بالطعام.

 (٦) كما يذكر في موضعين ثالث ورابع مثل ذلك حول المواقف الانفعالية كحالات القلق والغضب والخوف والحزن والفرح، وحول الميول والاتجاهات والتحيزات الشخصية فالشخص المحايد عادة ما يفسر الأمور بطريقة تختلف عن الشخص المتحيز. 

(٧)

التأثير الثاني: تشتيت التفكير عن التركيز عن مسارات معينة تختلف حسب نوع الحالة العاطفية وقد اتضح ذلك من خلال الأمثلة المذكورة

إذن فالاهتمام بالقلب وكيفية تنمية وعلاجه أمر ضروري لضمان سلامة عملية التفكير، فكلما كانت الفرد ناضج انفعاليا كلما ازدادت قدرته على التحكم بانفعالاته؛ فلا تطغى على تفكيره إلى درجة إطلاق الأحكام والتفسيرات الظالمة لتصرفات الآخرين، أو يكون إنسانا متبلد الإحساس، بل يكون متزنا في مشاعره وانفعالاته.

 ______________________ 

(١) التبيان في تفسير القرآن ( دار إحياء التراث العربي)، الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( ٣٨٥ - ٤٦٠ ه)، المجلد السابع، الجزء السابع عشر، سورة الحج صفحة ٣٢٦
(٢) شبكة المنير/ المحاضرات المكتوبة/ محاضرات محرم الحرام/ العقل والقلب في إشراقات علوية ١١-٠١-١٤٤٢ و ٣١-٨-٢٠٢٠م
(٣) نفس المصدر السابق
(٤) مبادئ السلوك الإنساني والتنظيمي، د. محمد حسين صلاح أحمد، مكتبة المتنبي، طبعة ١٤٤٠ه/٢٠١٩م، الصفحات ٥٧ - ٥٩
(٥) علم النفس المعرفي، الدكتور رافع النصير الزغول والدكتور عماد عبد الرحيم الزغول، الطبعة العربية الأولى؛ الإصدار الخامس ٢٠١٤، دار الشروق للنشر والتوزيع، صفحة ١٠٧
(٦) نفس المصدر السابق صفحة ١٣١
(٧) نفس المصدر السابق صفحة ١٣٢

التعليقات 0
إضافة تعليق